كن سببا في اسلامه

الإعجاز البياني في قوله تعالى {ويل لكل همزة لمزة}

سبب نزول الآية
قال الكلبي: نزلت في (الأخنس بن شريق) كان يقع في الناس ويغتابهم, وقيل هو جميل بن عامر, وقيل الوليد بن المغيرة, وقيل أبي بن خلف.
قال محمد ابن إسحاق في السيرة : ما زلنا نسمع أن هذه الاية نزلت في أبي بن خلف.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: قيل نزلت في جميل بن عامر الجمحي ، وقيل : في الأخنس بن شريق ، وهذا إن كان هو السبب المباشر ، فإن الآية تعم من كان بهذا الوصف نظراً لعموم اللفظ.
وهذا الذي قاله رحمه الله هو الذي عليه جل المحققين قال: الزمخشري في (الكشاف) ويجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ليتناول كل من باشر ذلك القبح.

أوجه الاعجاز البياني في الآية الكريمة
{ويل} : كلمة عذاب وسخط. ويكثر استعمالها مع هاء الندبة في التفجع عند الكوارث. وتأولها بعض المفسرين في آية الهمزة، بأنها "واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار وقيحهم".
ونستقرئ مواضع الاستعمال في القرآن الكريم للكلمة، فنجدها في أربعين موضعاً. منها ثلاث عشرة مرة، معرفة بالإضافة، في موقف التحسر والتفجع والندبة، بآيات:
(القلم 31، هود 72، الفرقان 28، الكهف 49، الأحقاف 18، طه 61، القصص 80، الأنبياء 14، 46، 97، يس 52، الصافات 20، المائدة 31) .
وباقي الآيات الأربعين، في سياق النذير من الله سبحانه.
وباستثناء آية الأنبياء: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} معرفة بأل، جاءت "ويل" نكرة، بمثل الأسلوب في آية الهمزة.
والنذير في كل آياتها من الله سبحانه، بويل، للكافرين، والمشركين، والمكذبين، والظالمين، والمطففين، والمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، والذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، والقاسية قلوبهم، وكل أفاك أثيم، وكل همزة لمزة.
والوعيد فيها بويل: من مشهد يوم عظيم، ومن النار، وعذاب أليم، ومن يوم الدين، ويومهم الذي يوعدون، والنبذ في الحطمة.
وفي هذا الاستقراء ما يكفي إدراكا لما للفظ ويلٍ من رهبة، وما يثير من خوف ورعب، دون أن نحتاج فيه إلى تأويلٍ بوادٍ في جهنم يسيل قيحاً، أحسبه من الإسرائيليات التي أدخل فيها اليهود عناصر من وصفهم لجهنم.  التفسير البياني للقرآن الكريم المجلد الثاني ص 167-168
ومما يستحق الوقوف عنده مجيء (ويل) بالرفع!, ولم يقل: (ويلا) بالنصب!. وفي تعليل ذلك يقول الدكتور فاضل السامرائي في كتابه التعبير القرآني : " فانظر كيف قال (ويل) بالرفع ولم يقل: (ويلاً) بالنصب وذلك لأنه بالرفع جملة اسمية و بالنصب جملة فعلية، فأخبر أن لهم عذابا دائما لا ينقطع أو دعا عليهم به. ولو قال ( ويلاً) بالنصب لكان إخبارًا بالعذاب الغير الدائم. ثم انظر كيف قال في آخر السورة:{ إنها عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ***فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ} فأخبر أن أبوابها مغلقة عليهم لا تنفتح إشارة إلى دوام العذاب وخلوده ، وكيف ناسب ذلك السورة برفع الويل.
فانظر إلى التناسق الجميل في التعبير و المعنى بين المفتتح و الختام. كتاب التعبير القرآني للدكتور فاضل السامرئي ص33-34
- {همزة لمزة} وقد ذُكر من مادتها في سورة القلم (هماز): {هماز مشاء بنميم} [القلم 11] ولننظر إلى الفروق بين الآيتين في الصيغ لنستبين أكثر موضع الاعجاز البياني في الآية الكريمة: يقول الدكتور فاضل السامرائي: (فصيغة همّاز هي صيغة مبالغة على وزن فعّال تدل على الحرفة والصنعة والمداولة في الأصل مثل نجّار وحدّاد وخيّاط. وعندما نصف شخصاً ما بـ (كذّاب) فكأنما نقول أن صَنعَتُه الكذب. أما صيغة هُمَزة فهي مبالغة بالتاء وهناك أكثر من نوع للمبالغة بالتاء:
1. ما أصله غير مبالغة وبالغ بالتاء مثل راوي – راوية (للمبالغة) وهي في الأصل صيغة مبالغة .ونأتي بالتاء لزيادة المبالغة.
2. ما أصله صيغة مبالغة ثم نأتي بالتاء لتأكيد المبالغة وزيادتها ، مثل : (هُمزة) فأصلها (هُمَز) وهي من صيغ المبالغة مثل (حُطَم ـ لُكَع ـ غُدَر ـ فُسق) ، فنأتي بالتاء لزيادة المبالغة. ويقول أهل اللغة : ما بولغ بالتاء يدل على النهاية في الوصف أو الغاية في الوصف، فليس كل (نازل) يسمى (نازلة)، ولا كل (قارع) يسمى (قارعة) حتى يكون مستطيرا عاما قاهرا كالجائحة، ومثلها القيامة والصاخة والطامة. فهذا التأنيث للمبالغة بل الغاية في المبالغة، وهذا ما تدل عليه كلمة (هُمَزة).
إذن نحن أمام صيغتين للمبالغة إحداهما تدل على المزاولة، والأخرى على النهاية في الوصف .
والسؤال الآن بعد أن عرفنا الفرق بينهما: لماذا اختار وضع هذه هنا وهذه هناك ؟
قال تعالى في سورة الهُمزة ("وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ . الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ . يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ . كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ . نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ . الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ . إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ . فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ ")
وقال في سورة القلم (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ . مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ . وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ . وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ . بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ . وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ . وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ . هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ . أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ . إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ . سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ . إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ )
استعمل هُمزة في آية سورة الهمزة لأنه ذكر النتيجة وتعرّض للعاقبة، نتيجة وغاية وعاقبة الكفار الويل وجاءت الآية (كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ {4}) والحُطمة هي بنفس صيغة همزة وهي صيغة مبالغة لذلك ناسب أن يذكر بلوغه النهاية في الاتصاف بهذه الصفة بالتاء تدل على النهاية في الحطم، وهي تفيد أن الجزاء من جنس العمل فكما أنه يبالغ في الهمز فسيكون مصيره مماثلا في الشدة فالذي يتعدّى على الناس في قوانين الدنيا يكون جزاؤه في الآخرة بنفس المقياس (في أنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة). ونلاحظ أيضا من السورة أن الخارج والمتعدي يحبس في النار وهكذا في قوانين الدنيا أيضا.
أما في سورة القلم استخدام صيغة همّاز لأن الكلام في التعامل مع الناس وكل سورة القلم تتكلم عن التعامل مع الناس. "وإنك لعلى خلق عظيم"، فهي تتناول السلوكيات ولا تذكر العاقبة إلا قليلا وهي التي وردت في قوله: "سَنَسمُه على الخرطوم" ولكنه لم يذكر شيئا آخر من عاقبة مرتكب هذا الفعل إنما ذكر صفاتهم فقط مثل (حلاف مهين هماز مشاء بنميم) وهذه الصفات لا تستوجب الطاعة ولم يأت ذكر العاقبة في هذه السورة فهي كلها في التعامل. وجاء في السورة (أن كان ذا مال وبنين) ينبغي أن لا يُطاع ولو كان ذا مال وبنين فهو يمتنع بماله وبنيه والمال والبنون هما سبب الخضوع والإيضاح والإنقياد ولو كان صاحبهما ماكرا لذا جاءت الآية (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ {10} هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ {11} مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ {12} عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ {13} أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ {14}) . فالعربي صاحب عزة في عشيرته ببنيه ولكن المال والقوة هما سبب الخضوع والانقياد في الأفراد والشعوب مهما كانت حقيقة صاحب المال من أخلاق سوء وإثم واعتداء فإن لها القوة لما لها من مال وقوة وهذا مشاهد في واقعنا وهو سبب استعلاء الدول القوية صاحبة هذا المال وتلك القوة على الشعوب المستضعفة. فالملحوظ هنا أن سورة القلم لم تتطرق إلى نهايتهم بل اكتفت بالأمر بعدم طاعتهم، أما الهُمزة فقد ذكرت نهايتهم بتفصيل.)
- {لمزة} واللَّمْز‏:‏ كالذم والعيب، وإنما ذم من يكثر الهمز، واللمز‏.‏ وقال تعالى في مواضع أخرى‏:‏ ‏{‏‏وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ‏} ‏[‏التوبة‏:‏ 58‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}‏‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 79‏]‏، قال مقاتل : " الهمزة " : الذي يعيبك في الغيب ، و " اللمزة " : الذي يعيبك في الوجه . وقال أبو العالية والحسن بضده .
وقال سعيد بن جبير ، وقتادة : " الهمزة " الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم ، و " اللمزة " : الطعان عليهم .
وقال ابن زيد : " الهمزة " الذي يهمز الناس بيده ويضربهم ، و " اللمزة " : الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم .
وقال سفيان الثوري : ويهمز بلسانه ويلمز بعينه . ومثله قال ابن كيسان : " الهمزة " الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ, و " اللمزة " الذي يومض بعينه ويشير برأسه ، ويرمز بحاجبه وهما نعتان للفاعل ، نحو سخرة وضحكة : للذي يسخر ويضحك من الناس [ والهمزة واللمزة ، ساكنة الميم ، الذي يفعل ذلك به ] . [ ص: 530 ]

تقول الدكتورة عائشة بنت الشاطئ رحمها الله: كذلك لم تأت صيغة "لُمَزَة" في القرآن كله إلا في آية الهمزة، وجاء الفعل مضارعاً في ثلاث آيات:
{وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} (الحجرات 11)
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} (التوبة 58)
ومعها آية (التوبة 79) في اللمز في الصدقات أيضاً.
وهذا هو كل ما في القرآن الكريم من مادتي الهمز واللمز.
ولا خلاف، أعلمه، بين اللغويين والمفسرين، في أن مثل صيغة همزة ولمزة، تستعمل فيمن يكثر منه فعلها حتى كأن ذلك عادة منه قد ضرى بها. . .
ولكنهم لم يتفقوا على الدلالة، فمنهم من لا يفرق بين الهمزة واللمزة.
ومنهم من يجعل الهمز للتحقير والعيب في الغيبة، أو التعريض بالإشارة والكلام المبهم، أما اللمز فهو التحقير والهزء صراحةً ومواجهةً.
ومنهم من عكس الوضع، فجعل اللمز في الغيبة، والهمز في المواجهة والحضور.
ونحتكم إلى القرآن الكريم فيجلو لنا الفرق بين اللفظين في الدلالة، حين يستعمل الهمز لوسوسة الشيطان (المؤمنون) والنميمة (القلم) .
وفيهما الخفاء والغيبة.
أما اللمز فيستعمله مع التنابز بالألقاب (الحجرات) وفي الاعتراض على تقسيم الصدقات (التوبة) .
ولا يكون ذلك إلا مواجهةً.
وهذه التفرقة تؤكد أصالة الاستعمال اللغوي الذي فرقت فيه العربية بين المادتين:
فاستعملت اللمز في الضرب والطعن.
واستعملت الهمز حسياً في الهمزة للنقرة والمكان المنخسف، والمهماز حديدة في مؤخر خف الذي يروض الفرس، والمهامز مقارع النخاسين ينخسون بها الدواب والرقيق. ولا يكون النخس في العربية إلى في مؤخر الدابة أو جنبها دون وجهها وصدرها.
وبهذا كله نستأنس في فهم الآية، فلا نذهب مع الشيخ محمد عبده إلى "أن الهمز
يكون بالعين والشدق واليد، حركات إلى التحقير والهزء، واللمز يكون باللسان".
وإنما نطمئن إلى أن الهمزة هو الذي يدأب على تحقير الناس والإيغال في تجريحهم من خلف ظهورهم، واللمزة الذي يدأب على مواجتهم بكلمة السوء تحقيراً لهم وغضاً من شأنهم. التفسير البياني للقران الكريم . المجلد الثاني ص 168-169

أرسل تعليقا واترك بصمتك

تنبيه: كافة المقالات في الموقع هي لأغراض إعلامية فقط، وينبغي ألا تستخدم كبديل للحصول على المشورة الطبية المتخصصة.
 
Top