كن سببا في اسلامه

حماية عقيدة المسلم من الشكوك والأوهام - حماية عقيدة المرقي والمسلم بشكل عام من الشكوك والأوهام

هذه جملة من النصائح بحول الله تعالى بين يدي الرقية الشرعية وهي للمسلمين بشكل عام والاشخاص الذين يطلبون الرقية بشكل خاص.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فإن النصوص الشرعية، والقواعد العامة المأخوذة من الكتاب والسنة قد حثت على المحافظة على عقيدة المسلم وأخلاقه وسلوكه، وذلك بإبعاده عما يدفعه إلى الشكوك والأوهام، ويؤدي به في آخر المطاف إلى ما يخدش في عقيدته وإيمانه. ولهذا بوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد فقال: "باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إليه" وأورد تحته النصوص الدالة على ذلك، منها حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " رواه أبو داود.

وحديث علي بن الحسين: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي لصلى الله عليه وسلم، فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم " 1 رواه في المختارة.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم - نهى المسلم من كثرة التردد على قبره صلى الله عليه وسلم وجعله عيدا لأن العيد هو الذي يعود ويتكرر في السنة، أو في الأسبوع، خوفا من أن يؤدي به ذلك التردد- إلى تجاوز الأمر المشروع وهو السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى دعائه، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيدا" ولما كان الغرض من ذلك التردد هو السلام على رسول الله، قال: "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم". فلا فرق في حصول المقصود بين البعيد والقريب، وهل يستطيع المسلمون جميعا الوصول إلى المدينة للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن ذلك صعب، والدين يسر، وهذا ما فهمه السلف الصالح من تلك النصوص، فعلي بن الحسين رحمه الله حينما رأى ذلك الرجل يدخل في تلك الفرجة ويدعو نهاة، وذكر له الحديث.
وقد سبق أن ذكرت عند الحديث عن الآيات الواردة في النهي عن التعامل بالربا، أنني سوف أتحدث بعد الانتهاء من الحديث عن الربا، عما أحدثه بعض الناس من الأمور الممنوعة- باسم الرقية المشروعة، مما لم يكن معروفا بصورته الحالية عند السلف.
أيها المسلم إن الربا من الكبائر التي ورد فيها الوعيد الشديد، ولتنفير المسلم
من تلك المعاملة الضارة بالأفراد والمجتمع، فإن الله عز وجل مثل آكل الربا حين بعثه من قبره يوم القيامة، بحال المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس، فيبعث من قبره وهو بهذه الحالة المزعجة التي يشاهدها الناس في هذه الحياة الدنيا، من حال المصروع حيث قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} فهذه الآية الكريمة قد دلت على أن الجن قد يحدث منهم تلبس ببعض الإنس، وأنه عند تلبسه بالإنسان يصرعه ويتخبطه.
وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، ولم ينكر تلبس الجن للإنس إلا أصحاب البدع. الذين يقدمون عقولهم على نصوص الكتاب والسنة، المعتزلة ومن يسنك مسلكهم.
وما ورد في الآية، دلت عليه السنة الصحيحة، فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب المرضى (باب فضل من يمرع من الريح) :
" ... قال حدثني عطاء بن أبي رباح قال لي ابن عباس: "ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ " قلت: "بلى". قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "إني اصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي". قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك". فقالت: "أصبر". فقالت: "إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف". فدعا لها" 1 ثم ذكر البخاري بإسناده- أن عطاء رأى أم زفر، تلك المرأة السوداء على ستر الكعبة.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث:
1- انحباس الريح قد يكون سببا للصرع، وهي علة تمنع الأعضاء الرئيسية عن انفعالها منعا غير تام، وسببه ريح غليظة تنحبس في منافذ الدماغ، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء، وقد يتبعه تشنج في الأعضاء فلا يبقى الشخص معه منتصبا بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة.
2- وقد يكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية، وإما لإيقاع الأذية به.
ثم قال ابن حجر: "والأول: هو الذي يثبته جميع الأطباء ويذكرون علاجه. والثاني: يجحده كثير منهم، وبعضهم يثبته ولا يعرف له علاجا، وممن نص منهم على ذلك إبقراط فقال: لما ذكر علاج المصروع: هذا إنما ينفع في الذي سببه أخلاط؟ وأما الذي يكون من الأرواح فلا".
وقد رجح ابن حجر: إن الصرع الذي كان بتلك المرأة السوداء هو من صرع الجن لا من صرع الخلط.
حيث قال بعد إيراد طرق الحديث المتعددة: "وقد يؤخذ من الطرق التي أوردتها أن الذي كان بأم زفر كان من صرع الجن، لا من صرع الخلط".
قال: "وقد أخرج البزار وابن حبان من حديث أبي هريرة شبيها بقصتها ولفظه: جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "ادع الله". فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت صبرت ولا حساب عليك". قالت: "بل أصبر ولا حساب علي".
ثم ذكر ابن حجر الفوائد المأخوذة من الحديث ومنها:
إن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله، أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير. ثم قال وهو المقصود هنا: وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين:
أحدهما: من جهة العليل، وهو صدق القصد.
والآخر: من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل. والله أعلم"1 اهـ.
أيها المسلم إن هذه الآية الكريمة، والحديث الذي سبق ذكره عن البخاري وأحاديث أخرى في الصحيحين وغيرها، قد دلت على أن تلبس الجن بالإنس أمر ثابت، لا ينكره إلا مبتدع، أو جاهل لا يعرف النصوص الشرعية.
وإن التلبس مطلق، لا يخص بنوع، يطلق عليه بعض الناس اسم الزّار،
فهذه دعوى تخالفها النصوص المطلقة، والزّار، والأسماء المخترعة أمور محدثة، والتلبس موجود قبلها.
ثم إن الرقية من المس، قد دل عليها قوله صلى الله عليه وسلم: " للمرأة المصابة، إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك."
فأخذت بما هو خير لها في الآخرة، فصبرت.
وقد رجح ابن حجر بالروايات التي أوردها، أن الصرع بتلك المرأة هو من صرع الجن، لا من صرع الخلط.
وهذا القول المستند إلى تلك الروايات، هو الأولى، بالأخذ به، ممن يدعي
أن ما أصاب تلك المرأة هو صرع سببه الخلط، لأنه لا دليل عنده على دعواه إلا تعليل عقلي، والعقل لا مجال له مع وجود النص، وكما أن الرقية تكون من المس، فكذلك أيضا تكون من العين، والحمة، كما في حديث ابن عباس أخرجه البخاري1 ولفظه: "لا رقية إلا من عين، أو حمة". وفسرت الحمة، بأنها كل هامة ذات سم من حية أو عقرب.
ولكن ما هي الرقية وبأي شيء تكون؟ ونقول:
إن الإمام البخاري رحمه الله قد عقد أبوابا في كتاب الطب من صحيحه بدأها بقوله (باب الرقى بالقرآن والمعوذات) .
ثم أورد حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيده نفسه لبركتها" 2 وفيه: فسألت الزهري: "كيف ينفث؟ " قال: "كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه".
قال ابن حجر في شرح الحديث: "الرقى بضم الراء وبالقاف مقصور: جمع رقية بسكون القاف، يقال: رقى بالفتح في الماضي- يرقى بالكسر في المستقبل
والمراد به قراءة شيء من القرآن، أو الدعاء الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، أو أقرهم عليه، على المريض، المصاب بمس، أو عين أوحمة، وهو ما سيأتي تفصيله في المبحث التالي إن شاء الله، ثم نتبعه بما أحدث بعض الناس من صفات، وما صاحب ذلك من دعايات، وما فتحوه من عيادات، وتفرغ لهذا العمل، مما لم يفعله أحد من سلف هذه الأمة، فإلى الحديث التالي.
من كتاب: الرقية الشرعية في الكتاب والسنة

أرسل تعليقا واترك بصمتك

تنبيه: كافة المقالات في الموقع هي لأغراض إعلامية فقط، وينبغي ألا تستخدم كبديل للحصول على المشورة الطبية المتخصصة.
 
Top